منتديات صومالي لاند

مساحة نحاول التعريف من خلالها على جمهورية صومالي لاند وشعبها
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جقوانين منتديات صومالي لاندبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  من رحِم المعاناة تولد البَسمة ( قصة قصيرة )

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بقايا زعيم
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 669
تاريخ التسجيل : 18/07/2010
ذكر العمر : 26
نقاط : 8398
المزاج : عاشــــت صومالي لاند

مُساهمةموضوع: من رحِم المعاناة تولد البَسمة ( قصة قصيرة )   12/10/2010, 10:03 pm

******************************************************************************************************

في وسط المتنزه العام المتاخم لضواحِي المدينة، توقف عند الشجرة المعمِّرة الوارفة الظلال، التي كان قد إستأمنها من قبل على الحرف الأول من حروف إسمه، و إسم توأم روحه و رسم القلب الذي يتوسطهمَا، ليلقي على أوراقها الخضراء السلام و على براعمها اليانعة التحية، ثم جلس كعادته تحتها ليستظل بظلها و ينعم بالهدُوء تحت أغصانها، كلما ضاقت به متاهات مدينته التي تتسع لملايين البشر، فأغمض جفنيه و ليس في نيته إلا الهروبْ من تفاصيل حياته اليومية، مع إصغاءه لصدى متقطع من مقطوعات موسيقية رومنسية حزينة تتردد في أعمَاق ذهنه. في هاته الأثناء أقبل صبية صغار و هم يركضون خلف كرة لهم، فإنتزعته صيحاتهم البريئة من طقوس صمته، فأحس بشيء من الحنق إتجاههم، على مضض كتم غيظه و تقدم نحو منحدرات الجبل الوعرة، ليفرغ بها شحنات الغضب التي إنتابته، و بعد جهد جهيد تمكن من تسلقها و الوصول لقمتها، لعله يجد فوقها متسعاً رحباً يحتوي حروف الآه المعقودة على طرف لسَانه، ثم جلس على صخرة تشرف على مدينته الكبيرة ، يتأمل من بعيد الحجارة الصماء التي شيدت منها البنايات الإسمنتية في سِباقها المتهور لبلوغ عِنان السماء، و سحب الدخان الكثيف المنبعث من فوهة أبراج المصانع، و الذي يكسب الفضاء لوناً من ألوان السواد الكَئيب، و طوابير السَّيارت و الشاحنات و الحافلات العمومية التي تئن منها الشوارع الضيقة، و على المسامع لا زال يتردد صدى هدير المحركات ممزوجا بأصوات الباعة المتجولين، مع أصوات الموسقى الصاخبة و حديث السَّاعة في المقاهي العمومية، و في ذهنه تختلط واجهات المحلات التجارية بأسعارها المخفضة، بوجُوه الإنس التي قد تصدمه بأجسادها في غمرة زحام الأسواق أو الساحات العمومية دون أن تكترث لوجوده..


جلس ليصغي لحديث النفس بعيداً عن تأثير مظاهر حضارة بني البشر و حسابات القدر، و لينصت لما تهمس به دقات قلبه جهراً في السر و تكتمه في العلن، فما همته الدنيا في يوم و لو تكالبت عليه بهمومها من كل حدب و صوب، بل في أن تصبح نبضاته التي سار لها في ذات يوم إيقاع و مغزى، دقات لعضلات قلب أجوف بلا معنى، و أحاسِيسه بلا جدوى. فما إن تعقد روحه العزم على البوح، حتى تصيب نيران الأشواق لسانه بالجفاف، فتتوقف كل الحروف في حَلقه و هي قاب قوسين أو أدنى من أن تصبح حقيقة مدوية، و إن عادت إليه كَلماته من بعد ذلك، فهو على سبيل الهذيان، و لتتبعها آنفاً الخدود بولاء التورد عن إستحياء، لتسدل رموش العَين على فصول من الهيام. هذا دأبه حتى حسبوه ممن لا قلوب لهم أو من بها مرض، أو ممن ختم عليها بختم الجليد، أو ممن جرت نخاسة الأحاسِيس في عرفهم و إستباحوا الغدر، أو بعض ممن لا يرتجى منهم نفع أو أمل..


و هذا هو حاله، منذ أن جلسَ في الصبح الباكر على تلك الصخرة، حتى شارفت الشمس على المغيب في أمواج البحر، و كلما إنقضى بصيص من النور، كانت ينقضي معه أمل من آماله، و تزداد في الأعماق شدة وساوسه، و هو يحاول عبثاً الإجابة عن علامات الإستفهام التي تقض مضجعه في ليله و نهاره، و الوصول إلى كنه الحقيقة الغامضة التي حجبتها الأقلام و إحتفظت بها الأحاسِيس لنفسها، و كلما فتش عن إجابة لسؤال تتقافز إلى ذهنه أسراب أخرى من الأسئلة حتى تاه بينها، و في خضم هذا كله لم يمهله الفؤاد المكلوم من ألم الحرقة الذي يفيض ضمنياً باللوعة، حتى فارقت مقله النوم بعدما رأت أحلامها تضيع و هي تبحث عن لياليها، و تضَاربت أحاسيسه كأن لا سلطان له عليها، و تساقطت أمانيه الواحدة تلو الأخرى، و ما تبقى منها فالشك ينخرها من الداخل، فزهد في عالم الأحلام بعدما زهد في عالم الدنيا، و إختار التقوقع على ذاته، و هو ينعي ماضيه و يرثي حاضره و يتوجس من مستقبله. حتى أحس بقشعريرة غريبة تسري فوق أديم جلده، فلما إنتبه لمحيطه وجد الظلام الدامس قد لف بوحشته المكان و أخفى كل التفاصيل، حتى أن السحب حجبت ضوء القمر و منعته من أن يكون لعينيه دليلاً، فوقف على قدميه كأن شيئا لم يكن، و بدأ يتحسس طريق عودته إلى سفح الجبل.


و بينما هو يخطو الخطوات، إذ بعواء الذئب يكسر تناغم سُكون الليل، فأعلنت روحه حالة الإستنفار و هي التي كانت زاهدة في الحياة على هذه الدنيا، و ما إن سمع خشخشة صادرة من بين الحشائش، حتى إرتعدت فرائصه و أطلق العنان لأقدامه مسَابقةً الخوف الذي دب في شرايينه، و في خلال إختارقه للدغل الكثيف مهرولاً بجسده النحيف، إذ بإحدى فروع الأغصان تمسك بقميصه، فإختل توازنه و سَقط على الأرض و هو يتدحرج، و ما إن بلغ السفح حتى إصطدم رأسه بجلمود صخر أفقده وعيه في الحال.


في الصباح البَاكر، و لما لفحت أول أشعة للشمس وجهه، تحركت تعابيره لتدل على رواسب روحه الحية، فإستيقظ و تحسس بيده الكدمات الموجودة على وجهه، و قام بوضع كفه على مؤخرة رأسه فوجد جرحاً غائرا ينزف دماً، و كثيراً من بقع الدم التي تحيطه، ثم مزق قميصه و جعل منه ضمادة و لف بها موضع النزيف، و عندما حاول أن يتذكر ما حل به و أوصله لهذه الحال، وجد نفسه يطيل في التفكير لساعات و ساعات من دون أن يصل لأدنى إجابة تشفِي غليله، حاول مراراً و تكراراً و لكن بدون جدوى، فلما يئس من ذلك حاول تذكر وجهته، فكانت صدمة الكبرى، فلقد نسي عنوانه و حتى حروف إسْمه.


و حين تعذر عليه إيجاد تعريف لنفسِه، لجأ إلى الشجرة القريبة منه لينعم بظلها، و أخذ يحدق في البيئة التي تحيط به و هو لا يسأل نفسه هذه المرة إلا سؤالا واحداً :

من أكُون ؟!

و بينما هو كذلك، إذ ببصره يقع على رسم لحرفين نقشَا على جذع الشجرة، فأحس بشيء غريب يجذبه إليهما و للقلب الذي يتوسطهما، و لما لم يستطع إيجاد تبرير مقنع يفسر به تعلقه بهما، جعل منهما إسماً له و إستلهم أسطورة تؤرخ لحياته، و من الشجرة جعل له عنواناً. و إِذ بكرة صغيرة تتدحرج من أمامه، فلما توقفت بين يديه حملها ثم نظر من حوله، فوجد بضع صبية صغار في عمر الزهور يحدقون صوبه، فتقدم أحدهم نحوه هو يبتسِم، فلما رأى البسمة تعلو محياه و الحياة تتلألأ من عدسات عينيه، أحس بتجاعيد وجهه تتجاوب معها، و لأول مرة تتحرك أساريره منذ سنين طويلة، لتفرز تغيراً جذرياً على خريطة تعابير وجهه، فلم يألف هكذا شعوراً بالحياة من قبل على ما بدو، أو هذا ما حدثته نفسه به.لم يطل بعدها التفكير و تقدم بدوره نحو الصغير و ذات الإبتسامة العريضة تكبر مع كل خطوة يخطوها، حتى إقترب منه ثم سأله :
هل تسمح لي باللعب معكم ؟!


نظر الصغير إليه بإستغراب، و هو يأخذ بعين الإعتبار تقدمه في السن و حاله التي يرثى لها، ثم مما زاد في غرابته أنه لم يسأله عن إسمه كَعادة الكبار، فقال :
نعم يا سيدي لا مانع، لكن ما هو إسمك أنت حتى نستطيع أن نناديك به


فتمتم ثم قال :
أنا ن.*


زادت نظرات الصغير إستغراباً، ثم قال :
لا يهم، المهم إن رغبت باللعب فتعالى و شاركنَا..



فأومأ برأسه إيجابا و السرور يتقافز من عينيه و البسمة لاتزال مرسومة على محياه،
فلم يعد يهمه كثيرا من يكُون، بل فقط أن يكون سعيداً في الكون...







منقولة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سلطان علي
...
...
avatar

عدد المساهمات : 51
تاريخ التسجيل : 15/10/2010
ذكر نقاط : 2914
المزاج : مركز

مُساهمةموضوع: رد: من رحِم المعاناة تولد البَسمة ( قصة قصيرة )   18/10/2010, 4:37 pm

قصة جميلة اخي بارك الله فيك.المشاهدات لا باس فيها لكن استغرب قلة النشاط من اخواننا الاعزاء في الردود.اتمنا تكون مشاركتنا فعالة .ولو حتي بكلمة شكرا لصاحب الموضوع وهي كلمة بسيطة يستطيع اي شخص كتابتها Very Happy
تمنياتي للجميع بالتوفيق. cheers














Don't waste your time on jealousy;
Sometimes you're ahead,
Sometimes You're behind.
The race is long, and in the end, it's only with yourself.

Remember the compliments you receive, forget the insults;
If you Succeed in doing this, tell me how>]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بقايا زعيم
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 669
تاريخ التسجيل : 18/07/2010
ذكر العمر : 26
نقاط : 8398
المزاج : عاشــــت صومالي لاند

مُساهمةموضوع: رد: من رحِم المعاناة تولد البَسمة ( قصة قصيرة )   18/10/2010, 5:26 pm

الف شكر لك اخي على المرور الطيب

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
من رحِم المعاناة تولد البَسمة ( قصة قصيرة )
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات صومالي لاند  :: الاقــسام الادبــيــة :: قصة قصيرة-
انتقل الى: